أبي حيان التوحيدي
178
المقابسات
25 مقابسة [ في معارف الناس وأقسامها بالقول المجمل على التقريب ] قال : سمعت شيخنا أبا سليمان يقول : معارف الناس بالقول المجمل على التقريب تنقسم أصولها إلى الظن والوهم ، والحدس والعقل ، واليقين والشك ، والغالب والسابق ، والايهام والايجاس والخاطر والسانح واللائح ، ثم إن هذه كلها تتخالف مرة وتتلابس مرة ، وتراءى مرة وتتوارى ، ولن يخلص مطلب من المطالب ، ولا مذهب من المذاهب ، من شوب مثلها ، على قدر القلة والكثرة ، والضعف والقوة ، واللين والشدة ، [ و ] على حسب المزاج والهيئة ، والخلط والطبيعة ، والمنشأ والعادة ، وعلى ما يعجب الانسان من استبداده أو تقليده ؛ ولو خلص مظنونه من موهومه ، وتميز محسوسه من معقوله ، وانفصل معلومه من مجهوله ، وبان ملتمسه من هواه ، لكان لا يدخل الظن في العلم ، ولا يدب الحس في العقل ، ولا يتفشى العقل في الحس ، ولا يكدر الحق بالباطل ، ولا يصفو الباطل بالحق ، ولتوضحت الأشياء بأعيانها ، ونقّيت من أدرانها ، وزال شك الناظر في أثنائها ، ووقع على حقائقها وأنبائها ، وعاد ثلج الصدر باليقين ، معمور النفس بالسكون ، غنيا عن تأليف القياس والبرهان ، وتصنيف فنون القول والبيان ؛ ولكن الانسان مضروب بالظن والحدس ، ومصنوع بالعقل والحس ، ومردد بين النقص والزيادة ، ومعرض في كل وقت للشقاوة والسعادة ، لا فكاك له من جميع ذلك ما دام في مسكه الطبيعي ، وعقله الجزئي ، وجهله الكلى . اللهم إلا أن يلبسه اللّه لباس الرحمة ، ويغشّيه غشاء العصمة ، فحينئذ إن قال قال الصواب ، وإن فعل فعل الواجب ، وإن اعتقد اعتقد